ما بعد الحكم القضائي: الهندسة القانونية والمالية لتصفية التركات والمساهمات العقارية المتعثرة

كثيراً ما نرى في أروقة عالم المال والأعمال كياناتٍ أو عائلاتٍ تمتلك على الورق ثرواتٍ طائلة تقدر بالمليارات، لكنها تعاني في الواقع من "شح السيولة" وتوقف عجلة الاستثمار. السبب غالباً لا يكمن في فقر الموارد، بل في وقوع هذه الأصول تحت وطأة "التعثر"؛ سواء كان ذلك في شكل تركات عقارية ضخمة تنازع الورثة على قسمتها، أو مساهمات عقارية قديمة تعثرت تصفيتها لسنوات طويلة بسبب تشابك الإجراءات.

إن المعضلة الحقيقية التي يواجهها أصحاب الحقوق اليوم ليست في الحصول على "حكم قضائي" بالتصفية أو القسمة، فالمحاكم -بفضل الله ثم تطور المنظومة العدلية- أصبحت أسرع فصلاً وحسماً. المعضلة تكمن فيما "بعد الحكم"؛ أي في الآلية التنفيذية لتحويل هذه الأصول العقارية الجامدة (التي قد تكون أراضي بيضاء بمساحات شاسعة، أو عقارات متداخلة الصكوك) إلى "نقد" (Cash) يتم توزيعه بعدالة وسرعة على المستحقين.

التصفية: فن لا يتقنه الجميع

إن تصفية الكيانات العقارية المعقدة ليست مجرد إجراء قانوني روتيني، بل هي عملية "هندسة قانونية ومالية" دقيقة تتطلب عقلية تجمع بين "حزم القضاء" و"مرونة السوق". فالأرض الخام التي تعاني من مشاكل في الصكوك، أو تداخلات تنظيمية مع الجهات الحكومية، لا يمكن طرحها للبيع في المزاد العلني قبل "تطهيرها" قانونياً وإجرائياً. طرحُها بعلاتها يعني "حرق" قيمتها السوقية وبيعها بأسعار بخسة، وهو ما يضر بمصلحة المساهمين أو الورثة.

خارطة الطريق للخروج الآمن

من خلال الخبرة العملية المباشرة في الإشراف على ملفات تصفية المساهمات العقارية الكبرى والتركات المعقدة، نجد أن الخروج الآمن وبأعلى العوائد يتطلب مساراً استراتيجياً يقوم على ثلاث ركائز:

  1. الفحص النافي للجهالة (التشخيص): قبل اتخاذ أي خطوة، يجب تفكيك الملف محاسبياً وقانونياً. كم عدد المساهمين الفعليين؟ ما هي الالتزامات القائمة على الأرض؟ هل هناك صكوك متداخلة؟ هذا التدقيق يمنع المفاجآت القانونية التي قد توقف المزاد في لحظاته الأخيرة.
  2. المعالجة القانونية (التطهير): وهي المرحلة الأهم، وتشمل تحديث الصكوك، وإنهاء متطلبات التخطيط والتنظيم، ومعالجة الإشكاليات مع الأمانات وكتابات العدل. إن القيمة المضافة الحقيقية للمصفي تكمن هنا؛ في قدرته على تحويل "أرض خام بمشاكل" إلى "منتج استثماري جاهز للتطوير".
  3. التسويق والبيع (التسييل): اختيار التوقيت المناسب لطرح العقار، وتحديد آلية البيع (مزاد علني، بيع مباشر، تطوير ثم بيع) بناءً على حالة السوق العقاري، وليس مجرد تنفيذ إجراء إداري للتخلص من الأصل.

الخلاصة

إن تجميد مليارات الريالات في أراضٍ وتركات معطلة هو هدر اقتصادي لا يتحمله الورثة ولا الاقتصاد الوطني. الحل لا يكمن في الانتظار، بل في المبادرة بتسليم الملف لجهات تمتلك الخبرة النوعية في "إدارة التصفية"؛ جهات تفهم لغة المحاكم لإنهاء النزاع، وتتقن لغة الأرقام لتعظيم الأرباح.التصفية الناجحة ليست التي "تنهي" الشركة أو التركة فحسب، بل هي التي "تُحيي" المال وتعيده إلى دورة الاقتصاد من جديد.


خبراتنا في سطور:

المحامي الدكتور عبدالله بن علي العجلان

الشريك المؤسس وعضو مجلس المديرين في شركة 3A للمحاماة.

يمتلك خبرة نوعية ممتدة جمع خلالها بين الممارسة التطبيقية العميقة في القطاع العدلي، والخبرة التنفيذية في اللجان الحكومية المتخصصة (تصفية) والقطاع المصرفي، مما يمنحه رؤية استراتيجية شاملة لإدارة الملفات العقارية المعقدة وحوكمة الشركات.