
يحتل "الوقف" مكانة مركزية في الثقافة السعودية، حيث تسعى العائلات التجارية ورجال الأعمال لتوثيق إرثهم الخيري وضمان استمراره لما بعد رحيلهم. ومع ذلك، يكشف الواقع العملي عن ظاهرة مؤلمة تتمثل في تعثر كثير من الأوقاف، أو تآكل أصولها، أو تحولها إلى عبء إداري وقانوني على الورثة بدلاً من أن تكون صدقة جارية ونماءً مستمراً.
السبب الجوهري لهذا التعثر لا يكمن غالباً في شح الموارد، بل في "جمود صك الوقف". فكثير من الواقفين -بحسن نية- يقيدون أوقافهم بشروط صارمة ومفردات تقليدية نسخت من حقب زمنية سابقة، مما يغل يد الناظر عن التطوير والاستثمار. ومن هنا تأتي القاعدة الفقهية والنظامية الذهبية: "شرط الواقف كنص الشارع"؛ فهي سلاح ذو حدين، إما أن تكون قيداً يخنق الوقف، أو أداة مرنة تمنحه القوة والاستدامة.
من "حفظ الأصل" إلى "تنمية الأصل"
الفهم التقليدي للوقف يركز على "الحبس" (أي تجميد الأصل وعدم التصرف فيه). لكن في عالم الاقتصاد المتغير، الثبات يعني التراجع. الصياغة القانونية الحديثة لصك الوقف يجب أن تنتقل من هاجس "تجميد العقار" إلى استراتيجية "استدامة المحفظة".وهذا يتطلب صياغة شروط تمنح مجلس النظارة صلاحيات واسعة ومدروسة في: الاستبدال، والمناقلة، والدخول في صناديق استثمارية، وحتى الاقتراض بضمان الوقف لغرض التطوير، وذلك وفق ضوابط شرعية ومالية دقيقة. فالوقف الذي لا ينمو، سيموت حتماً بفعل التضخم وتقادم المباني.
مأسسة النظارة: الوقف كشركة قابضة
من خلال عملنا في أمانة سر مجالس نظارة لعدة أوقاف كبرى، نجد أن الأوقاف الناجحة هي التي تُدار بعقلية "الشركة القابضة" لا بعقلية "الجمعية الخيرية". وهذا يبدأ من وثيقة الوقف نفسها، التي يجب أن تؤسس لـ "حوكمة إدارية" واضحة:
1. مجلس النظارة: الانتقال من "الناظر الفرد" (غالباً الابن الأكبر) إلى "مجلس نظارة" يضم أعضاء مستقلين وخبراء استثمار بجانب أفراد العائلة.
2. آلية اتخاذ القرار: تحديد صلاحيات المجلس، وآليات التصويت، وسياسات تعارض المصالح، تماماً كما يحدث في مجالس إدارات الشركات المساهمة.
3. إعادة الاستثمار: النص صراحة على اقتطاع نسبة من الريع (مثلاً 20% أو 30%) لغرض "تنمية الأصول" وإعادة استثمارها، وليس صرف كامل الريع في المصارف الخيرية، لضمان بقاء الأصل قوياً عبر الأجيال.
الخلاصة
إن الوقف هو "الابن الخالد" للواقف. ولكي يكتب لهذا الابن العمر المديد في ظل تحديات العصر، يجب أن نجهزه بأدوات العصر. فصياغة وثيقة الوقف ليست مجرد إجراء توثيقي لدى كتابة العدل، بل هي عملية "هندسة قانونية ومالية" ترسم مستقبل هذا الكيان لمئات السنين القادمة.
خبراتنا في سطور:
المحامي عبدالله بن عبدالحميد الغليقة
شريك مؤسس وعضو مجلس المديرين في شركة 3A للمحاماة والاستشارات القانونية. حاصل على الماجستير في القانون التجاري من جامعة الفيصل. يمتلك خبرة نوعية في حوكمة الكيانات العائلية والوقفية، حيث تولى أمانة السر لعدد من مجالس نظارة الأوقاف الكبرى وساهم في صياغة لوائحها الداخلية، بالإضافة إلى خبرته كعضو مجلس إدارة في شركات مساهمة، مما يمنحه القدرة على دمج الحوكمة التجارية بالعمل الوقفي.