
في الهيكل التنظيمي للشركات، غالباً ما يتم اختزال دور "أمين سر مجلس الإدارة" في صورة نمطية ضيقة: موظف يحمل قلماً وورقة، يجلس في زاوية الغرفة لتدوين ما يقال، ثم يرسل محضراً للأعضاء للتوقيع. هذه النظرة التقليدية القاصرة لا تهمش دور الأمين فحسب، بل تضع مجلس الإدارة والشركة بأكملها في مهب الريح القانونية.
من واقع خبرتي العملية في تأسيس الإدارات القانونية وإدارة شؤون مجالس الإدارة للشركات المساهمة والمقفلة، أستطيع القول إن أمين السر هو "صمام الأمان القانوني" للقرار الاستراتيجي. ففي اللحظة التي يشتعل فيها نزاع بين الشركاء، أو ترفع فيها دعوى مسؤولية ضد الأعضاء، يتحول "محضر الاجتماع" من مجرد ورقة مؤرشفة إلى "وثيقة إدانة أو براءة" أمام القضاء.
المحضر: وثيقة قانونية لا مجرد سرد تاريخي
الخطأ الأخطر الذي يقع فيه أمناء السر غير المتخصصين هو التعامل مع المحضر كـ "نقل حرفي" للنقاشات (Transcript)، أو العكس تماماً، أي اختصاره بعبارة "تمت الموافقة" دون ذكر حيثيات القرار.الصياغة القانونية للمحضر هي فن الموازنة؛ يجب أن تترجم النقاشات الإدارية إلى "قرارات قانونية منضبطة" توضح السند النظامي للقرار، وتبرر أسبابه الاقتصادية، بما يحمي الأعضاء مستقبلاً من دعاوى الإهمال أو سوء الإدارة. القاضي لا يبحث عما دار في خلد الأعضاء، بل عما هو "مكتوب" في المحضر.
حماية "العضو المعترض"
نظام الشركات الجديد وضع مسؤولية تضامنية على أعضاء المجلس عن القرارات التي تضر بالشركة. طوق النجاة الوحيد للعضو الذي يرى خطأ القرار هو "إثبات اعتراضه" في المحضر.هنا يبرز الدور الحيوي لأمين السر المؤتمن؛ فهو المسؤول عن صياغة هذا الاعتراض بدقة قانونية تبرئ ذمة العضو المعترض، وتثبت أنه قام بواجبه في العناية والحرص. أي تهاون أو مجاملة في تدوين هذا الاعتراض قد يورط العضو في تعويضات بملايين الريالات.
فخ "الإجراءات الشكلية"
قد يتخذ المجلس قراراً استثمارياً صائباً ومربحاً، لكنه يُنسف تماماً ويُحكم ببطلانه لسبب إجرائي بسيط: (الدعوة لم توجه قبل المدة النظامية، النصاب لم يكتمل، جدول الأعمال لم يرسل).أمين السر المحترف هو الذي يضبط إيقاع الحوكمة قبل دخول الأعضاء لقاعة الاجتماع. هو الذي يتأكد من سلامة التفاويض، وصحة النصاب، وخلو الأعضاء المصوتين من "تعارض المصالح". فالحوكمة ليست قيوداً، بل هي الإطار الذي يمنح القرار شرعيته ونفاذه.
الخلاصة
أمانة السر ليست وظيفة إدارية، بل هي "موقع حوكمي" متقدم يتطلب دراية قانونية عميقة بأنظمة الشركات ولوائح الهيئة. إن الاستثمار في تعيين أمين سر قانوني محترف، أو إسناد المهمة لمكتب محاماة متخصص، هو استثمار في "أمن الشركة" واستقرار قراراتها.
خبراتنا في سطور:
المحامي زيد إبراهيم آل محمود
أمين المجالس الاستشارية في شركة 3A للمحاماة والاستشارات القانونية. متخصص في تأسيس وهيكلة الإدارات القانونية، وصياغة السياسات واللوائح الداخلية لضمان الحوكمة والامتثال. يمتلك خبرة عملية في إعداد وإدارة اجتماعات مجالس الإدارة والجمعيات العمومية وصياغة لوائح عمل اللجان المنبثقة عنها. عمل سابقاً مستشاراً قانونياً في شركات صناعية وتجارية كبرى، حيث تولى تطوير أطر الحوكمة وتقييم المخاطر القانونية للعمليات التجارية.