
في عصر الاقتصاد المعرفي، لم تعد الشركات توظف الأفراد لبيع "وقتهم" و"جهدهم العضلي" فحسب، بل هي في الحقيقة تستثمر في "عقولهم" و"إبداعهم". ومع تزايد التوجه نحو الابتكار والتحول الرقمي في المملكة، برزت إشكالية قانونية شائكة في أروقة المحاكم والشركات: عندما يبتكر الموظف برنامجاً حاسوبياً جديداً، أو يصمم خوارزمية ذكية، أو يطور طريقة عمل مبتكرة وهو على رأس العمل.. لمن تعود ملكية هذا الابتكار؟ هل هي للموظف الذي أبدع؟ أم للشركة التي دفعت الراتب ووفرت البيئة؟
بحكم تخصصي الأكاديمي في الملكية الفكرية وعملي في هندسة العقود، أجد أن كثيراً من عقود العمل -حتى في الشركات الكبرى- تفتقر إلى البنود الدقيقة التي تحسم هذا النزاع، مما يترك "الأصول الفكرية" للشركة في مهب الريح، أو يهضم حق الموظف المبدع.
القاعدة العامة: "العمل مقابل الأجر"
من الناحية النظامية، المبدأ العام هو أن الابتكارات والمصنفات التي ينتجها الموظف "تنفيذاً لعقد عمله" أو بتوجيه من صاحب العمل، تؤول ملكيتها المادية (الحقوق الاقتصادية) إلى الشركة، بينما يحتفظ الموظف بـ "الحق الأدبي" (أي وضع اسمه كمبتكر).لكن الشيطان يكمن في التفاصيل. ماذا لو ابتكر الموظف البرنامج في منزله خارج ساعات الدوام؟ وماذا لو كانت وظيفته "مسوقاً" لكنه ابتكر "كوداً برمجياً"؟ هنا تسقط القواعد العامة وتبدأ المنطقة الرمادية الخطرة.
فخ "استخدام موارد الشركة"
يقع كثير من الموظفين والمطورين في خطأ الاعتقاد بأن ابتكارهم ملك خاص لهم طالما أنجزوه "خارج الدوام". الحقيقة القانونية هي أنه إذا استخدم الموظف أيّاً من موارد الشركة (لابتوب الشركة، بيانات العملاء، سيرفرات، أو حتى الخبرة المتراكمة السرية للشركة) لإنتاج هذا الابتكار، فإن للشركة حقاً أصيلاً في المطالبة به.لذا، فإن الفصل بين "المشاريع الشخصية" و"عمل الشركة" يجب أن يكون صارماً، ليس فقط في التوقيت، بل في الأدوات والبيانات المستخدمة.
هندسة بند "نقل الملكية الفكرية" (IP Assignment)
بصفتنا قانونيين، لا ننصح الشركات بالاعتماد على نصوص القانون العامة فقط، بل يجب "هندسة" بند الملكية الفكرية في عقد العمل بدقة متناهية، خاصة لموظفي التقنية والبحث والتطوير (R&D). الصياغة المحكمة يجب أن تشمل:
1. اتساع النطاق: النص صراحة على انتقال ملكية أي ابتكار يتعلق بنشاط الشركة الحالي أو "المستقبلي المتوقع"، سواء تم داخل أو خارج أوقات الدوام.
2. التنازل الفوري: استخدام صيغ قانونية تفيد التنازل "الحالي والمستقبلي" (Present assignment of future rights) لتجنب الحاجة لتوقيع عقود تنازل جديدة عند كل ابتكار.
3. الاستثناءات: تخصيص ملحق يذكر فيه الموظف ابتكاراته السابقة للتوظيف (Prior Inventions) لاستثنائها من العقد، حمايةً للطرفين ومنعاً للالتباس.
بين الحق المالي والتحفيز
بينما تحمي الشركة حقوقها المالية بصرامة، يجب ألا تغفل الجانب التحفيزي. هندسة العقود الذكية هي التي توازن بين "حماية الشركة" و"تحفيز المبتكر". لذا، نرى في العقود الحديثة إضافة بنود تمنح الموظف "نسبة من عوائد الابتكار" أو مكافآت خاصة في حال تسجيل براءة اختراع، مما يحول الموظف من "أجير" يخفي أفكاره، إلى "شريك" يسعى لتطوير الشركة.
الخلاصة
إن "فكرة" بسيطة قد تتحول يوماً ما إلى منتج يدر الملايين. وترك تنظيم ملكية هذه الفكرة للظروف هو مخاطرة إدارية وقانونية جسيمة.
نصيحتي لإدارات الموارد البشرية والقانونية: راجعوا عقودكم اليوم، فالعقد الذي لا يحمي العقل، لا يحمي الشركة.
خبراتنا في سطور:
المحامية أميرة حمد الحارثي
مديرة إدارة الاستشارات والعقود في شركة 3A للمحاماة والاستشارات القانونية. حاصلة على درجة الماجستير في "قانون تقنية المعلومات والملكية الفكرية" من جامعة ساسكس (University of Sussex). متخصصة في صياغة ومراجعة العقود التجارية والوظيفية المعقدة ، وتعمل على تصميم أطر الحوكمة والنماذج القانونية التي تترجم المتطلبات التنظيمية إلى حلول عملية تحمي مصالح المنشآت.