عقود "البرمجيات كخدمة" (SaaS): كيف نحمي الأصول الفكرية للشركات التقنية في ظل الأنظمة الجديدة

يشهد قطاع التقنية في المملكة نمواً متسارعاً غير مسبوق، حيث انتقلت معظم الشركات من نموذج "شراء رخص البرامج التقليدية" (On-premise) إلى نموذج "البرمجيات كخدمة" (SaaS) القائم على السحابة والاشتراكات الدورية. ورغم أن هذا التحول يوفر مرونة تشغيلية عالية، إلا أنه خلق تحديات قانونية معقدة تتعلق بحماية الملكية الفكرية والبيانات، وهي تحديات لا تستطيع "العقود الجاهزة" استيعابها.

بحكم تخصصي الأكاديمي في "قانون تقنية المعلومات والملكية الفكرية"، وممارستي العملية في هندسة العقود التقنية، أجد أن كثيراً من الشركات التقنية الناشئة والمطورين يقعون في فخ استخدام عقود تقليدية لا تفرق بين "بيع النسخة" و"إتاحة الوصول"، مما يعرض أهم أصولهم (الكود المصدري والبيانات) للخطر.

أولاً: "الوصول" لا يعني "الملكية"

في عقود (SaaS)، العميل لا يشتري البرنامج، بل يشتري "حق الدخول واستخدام الخدمة" لفترة محددة. الخطأ الشائع في الصياغة هو استخدام مصطلحات "البيع" أو "الترخيص الدائم"، مما قد يمنح العميل عن طريق الخطأ حقوقاً في الكود المصدري (Source Code) لا يرغب المطور في منحها.يجب أن ينص العقد بوضوح صارم على أن كافة حقوق الملكية الفكرية في المنصة، وتحديثاتها، وأي تطويرات مستقبلية عليها، تظل ملكاً خالصاً للمورد (Vendor)، وأن حق العميل يقتصر على "الاستخدام" فقط وفق الشروط المحددة.

ثانياً: معضلة "التطوير المخصص" (Customization)

عندما يطلب العميل إضافة ميزات خاصة (Features) لنسخته من النظام، هنا يثور النزاع: من يملك كود هذه الميزات؟ العميل الذي دفع ثمن تطويرها؟ أم الشركة التقنية التي برمجتها؟إذا لم يحسم العقد هذه النقطة، فقد تجد الشركة التقنية نفسها عاجزة عن بيع هذه الميزة لعملاء آخرين مستقبلاً. الحل القانوني الأمثل هو النص على أن الشركة تملك أي كود جديد يتم تطويره، مع منح العميل رخصة استخدام لهذه الميزات طوال مدة اشتراكه.

ثالثاً: السيادة على البيانات والامتثال لنظام (PDPL)

مع صدور نظام حماية البيانات الشخصية الجديد في المملكة، أصبح بند "البيانات" في عقود (SaaS) قنبلة موقوتة. يجب أن يحدد العقد بدقة: من يملك البيانات المدخلة؟ أين يتم استضافتها (Data Residency)؟ ومن المسؤول قانوناً في حال حدوث تسريب؟العقود الذكية هي التي تحمي "مورد الخدمة" من تحمل مسؤولية البيانات التي يدخلها العميل إذا كانت مخالفة للنظام، وتضع حدوداً واضحة لالتزامات الأمن السيبراني.

رابعاً: اتفاقية مستوى الخدمة (SLA) كالتزام قانوني

يتعامل البعض مع اتفاقية مستوى الخدمة (SLA) كملحق فني هامشي، بينما هي في الواقع "قلب العقد النابض". الفشل في صياغة بنود "وقت التشغيل" (Uptime) وآليات التعويض عن الانقطاع (Service Credits) بدقة، قد يفتح باباً لتعويضات مالية ضخمة تتجاوز قيمة العقد نفسه. الهندسة القانونية هنا تتطلب تحويل المعايير الفنية إلى التزامات تعاقدية قابلة للقياس ومحددة السقف.

الخلاصة

في الاقتصاد الرقمي، "الكود" هو رأس المال، و"العقد" هو الخزنة التي تحميه. إن الاستثمار في صياغة عقد (SaaS) مخصص ومحكم ليس مجرد إجراء قانوني، بل هو قرار استراتيجي يحفظ قيمة شركتك السوقية ويحمي ابتكارك من السرقة أو التبديد.


خبراتنا في سطور:

المحامية أميرة حمد الحارثي 

مديرة إدارة الاستشارات والعقود في شركة 3A للمحاماة والاستشارات القانونية. حاصلة على درجة الماجستير في "قانون تقنية المعلومات والملكية الفكرية" من جامعة ساسكس (University of Sussex) في المملكة المتحدة. تمتلك خبرة نوعية في إدارة المشاريع القانونية وهندسة العقود التجارية والتقنية، حيث تعمل على ترجمة المتطلبات التنظيمية المعقدة إلى حلول تعاقدية عملية تحمي مصالح الشركات.