لوائح تنظيم العمل: هل هي مجرد "متطلب نظامي" أم "درع قانوني" للمنشأة؟

في ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها سوق العمل السعودي، والتحول الرقمي الكامل عبر منصات وزارة الموارد البشرية، يقع كثير من أصحاب العمل والمدراء التنفيذيين في فخ التعامل مع "لائحة تنظيم العمل" باعتبارها مجرد ورقة روتينية أو "قالب جاهز" (Checklist) يجب رفعه على منصة "قوى" لاستكمال إجراءات التأسيس أو تجديد الرخص.هذه النظرة القاصرة للائحة العمل تحرم المنشأة من أقوى أدواتها القانونية والإدارية. فلائحة تنظيم العمل ليست مجرد مستند بيروقراطي، بل هي بمثابة "الدستور الداخلي" للشركة، والمرجع الأول الذي يستند إليه القضاء العمالي عند نشوب أي نزاع بين الموظف وجهة العمل.

فخ "النموذج الموحد"

تتيح الوزارة "النموذج الموحد" للوائح لتسهيل الإجراءات، وهو خيار جيد للمنشآت الصغيرة جداً. لكن بالنسبة للشركات المتوسطة والكبرى، أو تلك التي تمتلك طبيعة عمل خاصة، فإن الاعتماد الكلي على النموذج الموحد قد يشكل ثغرة قانونية كبرى. فالنموذج العام لا يغطي تفاصيل المخالفات الدقيقة الخاصة بقطاعك، ولا يراعي خصوصية أسرار العمل، ولا يفصل بدقة في السياسات الداخلية (مثل استخدام السيارات، العهود، تضارب المصالح).عندما يقف صاحب العمل أمام المحكمة العمالية لتبرير فصل موظف أو توقيع جزاء عليه، فإن السؤال الأول للقاضي سيكون: "هل نصت اللائحة الداخلية المعتمدة على أن هذا الفعل يعد مخالفة تستوجب هذه العقوبة؟". إذا كانت الإجابة "لا" -لأن الشركة اكتفت بالنموذج العام الخالي من التفاصيل- فإن كفة الحكم ستميل غالباً لصالح الموظف، حتى وإن كان الموظف مخطئاً في العرف الإداري، لأن "لا عقوبة إلا بنص".

التخصيص هو خط الدفاع الأول

من هنا تبرز أهمية اعتماد "لائحة تنظيم عمل مخصصة" (غير النموذج الموحد)، يتم صياغتها ومراجعتها من قبل مكاتب المحاماة المعتمدة من الوزارة لهذا الغرض. هذه اللائحة المخصصة تتيح للشركة:

  1. هندسة جدول المخالفات والجزاءات: بحيث يتناسب مع طبيعة النشاط (مثلاً: تغليظ عقوبة إفشاء الأسرار في الشركات التقنية، أو التشديد في إجراءات السلامة في شركات المقاولات).حماية 
  2. الصلاحيات الإدارية: تقنين صلاحيات الإدارة في النقل، والتقييم، والترقية، وتوزيع ساعات العمل، مما يغلق الباب أمام دعاوى "التعسف" مستقبلاً.
  3. الوضوح المؤسسي: عندما يعرف الموظف ماله وما عليه بدقة، تقل مساحات الاجتهاد والخلاف، وتتحول بيئة العمل من بيئة يحكمها "المزاج الشخصي" للمدير إلى بيئة يحكمها "النظام المكتوب".

الخلاصة

إن الاستثمار في صياغة لائحة عمل محكمة ومخصصة ليس ترفاً قانونياً، بل هو إجراء وقائي يوفر على الشركة تعويضات مالية ضخمة قد تدفعها نتيجة قرارات إدارية "صحيحة واقعياً" ولكنها "ضعيفة نظامياً".

فليكن شعارك الإداري: اصنع لائحتك بدقة اليوم، لتوفر على نفسك عناء المحاكم غداً.


خبراتنا في سطور: 

المحامي عبدالعزيز بن حسن العويس 

الشريك المؤسس وعضو مجلس المديرين في شركة 3A للمحاماة. يحمل درجة الماجستير في القانون الخاص ، وهو معتمد من وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية لمراجعة وتصديق لوائح تنظيم العمل للمنشآت (النموذج غير الموحد)يمتلك خبرة عملية ممتدة كمدير تنفيذي وعضو مجالس إدارة ، بالإضافة لعضويته في المجمع الملكي البريطاني للمحكمين.