
عند الحديث عن "حوكمة الشركات"، غالباً ما ينصرف ذهن أصحاب الشركات العائلية والمنشآت المتوسطة إلى الشركات المساهمة المدرجة في سوق الأسهم، معتقدين أن أدوات الحوكمة المعقدة -مثل اللجان المنبثقة عن مجلس الإدارة- هي ترف إداري لا يناسب حجم أعمالهم أو طبيعتها العائلية. هذا الاعتقاد السائد هو أحد الأسباب الرئيسية لتعثر كثير من الكيانات الواعدة عند انتقالها من جيل المؤسسين إلى جيل الأحفاد، أو عند رغبتها في التوسع وجذب مستثمرين جدد.
من خلال عملنا في هيكلة الإدارات القانونية وصياغة لوائح مجالس الإدارة، نجد أن التركيز ينصب غالباً على تشكيل المجلس نفسه، مع إهمال تام لـ "أذرع المجلس" الحقيقية، وهما: لجنة المراجعة، ولجنة الترشيحات والمكافآت. هذه اللجان ليست مجرد متطلب شكلي في نظام الشركات، بل هي "المطبخ الفني" الذي يُنضج القرارات قبل رفعها للمجلس، وغيابها يعني أن المجلس سيبقى غارقاً في التفاصيل التشغيلية بدلاً من التفرغ للاستراتيجية.
لجنة المراجعة: عين المجلس التي لا تنام
في الشركات العائلية، تتداخل الذمة المالية للشركاء أحياناً مع مالية الشركة، وقد تغيب الرقابة الداخلية الفعالة بحكم الثقة المتبادلة. هنا تكمن خطورة غياب "لجنة المراجعة".دور هذه اللجنة لا يقتصر على الاجتماع مع المحاسب القانوني، بل يمتد لضمان كفاءة نظام الرقابة الداخلية، والتحقق من سلامة القوائم المالية، ورصد "المخاطر" التشغيلية والمالية قبل وقوعها. إن وجود لجنة مراجعة فاعلة، تمتلك لائحة عمل واضحة وصلاحيات في التقصي، هو خط الدفاع الأول لحماية أصول الشركة من الهدر أو الاختلاس أو سوء الإدارة المالي.
لجنة الترشيحات والمكافآت: تفكيك "القنابل" العائلية
أكثر النزاعات في الشركات العائلية تنشأ بسبب التوظيف (من يتولى المناصب القيادية؟) والمكافآت (كم راتب ابن العم مقارنة بالمدير التنفيذي المستقل؟). ترك هذه القرارات للمزاج الشخصي أو للعواطف هو وصفة لكارثة إدارية.هنا يأتي الدور الحيوي للجنة الترشيحات والمكافآت؛ فهي التي تضع "سياسات مكتوبة" ومعايير موضوعية لاختيار القيادات (بناءً على الكفاءة لا النسب)، وتحدد سلم الرواتب والمكافآت والحوافز بما يتوافق مع معايير السوق. وجود هذه اللجنة يرفع الحرج عن مجلس الإدارة، ويجعل قرارات التعيين والعزل قرارات مؤسسية مبنية على توصيات مهنية، مما يضمن استقرار البيت الداخلي.
التفعيل قبل التشكيل
إن العبرة ليست في إصدار قرار بتشكيل اللجان، بل في "تفعيلها". وهذا يتطلب صياغة لوائح عمل داخلية (Charters) لكل لجنة تحدد بدقة: مهامها، صلاحياتها، مدة عضويتها، وآلية رفع تقاريرها لمجلس الإدارة. اللجان الصورية التي لا تجتمع إلا لتوقيع محاضر جاهزة هي عبء على الشركة وليست قيمة مضافة.
الخلاصة
مجلس الإدارة بلا لجان متخصصة هو كالقائد بلا جنود؛ قد يملك الرؤية، لكنه يفتقد الأدوات اللازمة للتدقيق والتنفيذ. تأسيس لجان المراجعة والترشيحات في شركتك العائلية أو المتوسطة اليوم، هو الخطوة الأولى لتحويلها من "دكان كبير" يدار بالبركة، إلى "مؤسسة مستدامة" تدار بأنظمة الحوكمة الرشيدة.
خبراتنا في سطور:
المحامي زيد إبراهيم آل محمود
أمين المجالس الاستشارية في شركة 3A للمحاماة والاستشارات القانونية. متخصص في تأسيس وهيكلة الإدارات القانونية، وصياغة السياسات واللوائح الداخلية لضمان الحوكمة والامتثال. يمتلك خبرة عملية في إعداد وإدارة اجتماعات مجالس الإدارة والجمعيات العمومية وصياغة لوائح عمل اللجان المنبثقة عنها. عمل سابقاً مستشاراً قانونياً في شركات صناعية وتجارية كبرى، حيث تولى تطوير أطر الحوكمة وتقييم المخاطر القانونية للعمليات التجارية.