فخ شرط التحكيم: كيف تحمي عقودك من "البطلان" قبل وقوع النزاع؟

في عالم الأعمال المتسارع، يلجأ كبار المستثمرين والشركات إلى "التحكيم التجاري" باعتباره طوق النجاة الذي يضمن سرعة الفصل في النزاعات وسرية المعلومات، هرباً من أمد التقاضي المعتاد. لكن الواقع العملي يكشف عن حقيقة قاسية: قد يتحول هذا الطوق إلى عبء ثقيل، وتصبح وثيقة التحكيم مجرد حبر على ورق إذا انتهت رحلة التحكيم بحكم قضائي يقضي بـ "بطلان حكم التحكيم".

إن أخطر ما يواجه التاجر أو المستثمر ليس خسارة القضية موضوعياً، بل خسارة "الوقت والجهد والمال" في إجراءات تحكيم طويلة ومكلفة، ثم العودة إلى المربع الأول وكأن شيئاً لم يكن. ومن خلال القراءة المتفحصة لاتجاهات القضاء المختص في دعاوى بطلان أحكام التحكيم، نجد أن كثيراً من هذه الأحكام لا تسقط بسبب ضعف الحق، بل بسبب "الهشاشة الإجرائية" في صياغة شرط التحكيم أو إدارة العملية التحكيمية.

لماذا يسقط حكم التحكيم؟

تكمن الإشكالية الكبرى في التعامل مع شرط التحكيم كـ "نموذج جاهز" (Template) يتم نسخه ولصقه في ذيل العقود المليارية دون دراسة لخصوصية العلاقة التعاقدية. إن المحاكم المختصة، عند نظر دعوى البطلان، تمارس رقابة صارمة على توافر الضمانات الأساسية، وأبرز مكمن للخطر هو "مخالفة النظام العام" أو القصور في "أهلية الاتفاق".فعلى سبيل المثال، قد يتم الاتفاق على التحكيم في عقود إدارية أو أحوال شخصية لا يجوز فيها التحكيم أصلاً، أو يتم توقيع شرط التحكيم ممن لا يملك صلاحية صريحة بذلك في السجل التجاري أو الوكالة الشرعية، وهنا تقع الكارثة: حكم تحكيم صادر، ورسوم مدفوعة، ووقت مستنفد، ثم حكم قضائي بالبطلان لعدم الصفة أو الأهلية.

الهندسة الوقائية لشرط التحكيم

إن حماية حكم التحكيم من البطلان لا تبدأ عند صدور الحكم، بل تبدأ من لحظة صياغة العقد. المستشار القانوني المحترف لا يكتفي بصياغة بند يحيل النزاع للتحكيم، بل يقوم بـ "هندسة وقائية" تشمل:

  1. التحقق الصارم من الأهلية: التأكد من أن الموقع يملك صلاحية "الاتفاق على التحكيم" تحديداً، وليس مجرد حق التوقيع العام.
  2. ضبط النطاق: تحديد ما يدخل في التحكيم وما يخرج منه بدقة، لتجنب الدفوع المتعلقة بتجاوز المحكم لنطاق ولايته.
  3. مراعاة النظام العام: صياغة الإجراءات والقواعد الموضوعية بما لا يتعارض مع القواعد الشرعية والنظامية الآمرة في المملكة، لضمان قابلية الحكم للتنفيذ لاحقاً.

الخلاصة

التحكيم ليس مجرد بديل للقضاء، بل هو استثمار استراتيجي في الوقت. ولكي يؤتي هذا الاستثمار أكله، يجب أن يُبنى على قواعد صلبة تحميه من رياح البطلان. إن تكلفة "التدقيق القانوني" لشرط التحكيم قبل التوقيع، لا تذكر مقارنة بتلفة "ضياع الفرصة" وسقوط الحكم بعد سنوات من النزاع.فليكن شعارك في عقودك القادمة: اصنع تحكيماً لا يمكن نقضه، لا مجرد عقد يمكن توقيعه.


خبراتنا في سطور:

المحامي الدكتور عبدالله بن علي العجلان

الشريك المؤسس وعضو مجلس المديرين في شركة 3A للمحاماة.

يمتلك خبرة نوعية ممتدة جمع خلالها بين الممارسة التطبيقية العميقة في القطاع العدلي، والخبرة التنفيذية في اللجان الحكومية المتخصصة (تصفية) والقطاع المصرفي، مما يمنحه رؤية استراتيجية شاملة لإدارة الملفات التجارية المعقدة وحوكمة الشركات.