دستور العائلة التجارية: هل هو وثيقة قانونية أم عقد اجتماعي لحماية الثروة من التشتت؟

تمثل الشركات العائلية العصب الحيوي للاقتصاد في المملكة ومنطقة الخليج، حيث تشكل النسبة العظمى من قطاع الأعمال. ومع ذلك، تواجه هذه الكيانات العملاقة تحدياً وجودياً يُعرف عالمياً بـ "لعنة الجيل الثالث"؛ حيث تشير الإحصاءات إلى أن نسبة ضئيلة فقط من الشركات العائلية تنجح في الانتقال بسلام إلى الجيل الثالث والرابع، بينما يتلاشى الباقي أو يتفتت بسبب خلافات الورثة وتضارب المصالح بعد رحيل المؤسس.

إن المعضلة الكبرى التي تواجه العائلات التجارية ليست في "كيفية جمع المال"، فقد أتقن المؤسسون هذه اللعبة ببراعة، بل تكمن في "كيفية استدامة هذا المال" وحمايته من رياح الخلافات الشخصية التي تعصف بالكيان التجاري عند اختلاط "العاطفة العائلية" بـ "القرار الإداري". وهنا يبرز "الميثاق العائلي" أو ما يعرف بـ "دستور العائلة" كطوق نجاة استراتيجي، وليس مجرد ترف فكري.

أكثر من مجرد حبر على ورق

يخطئ الكثيرون حين يظنون أن الحوكمة العائلية تعني مجرد صياغة لوائح جامدة أو نسخ نماذج جاهزة من شركات أخرى. إن الدستور العائلي الناجح هو في جوهره "عقد اجتماعي ونفسي" بين أفراد العائلة، يتم فيه الاتفاق بشفافية مطلقة على قواعد اللعبة قبل بدء اللعب. إنه الوثيقة التي تجيب على الأسئلة الصعبة التي يتهرب الجميع من طرحها في حياة المؤسس: من يقود السفينة غداً؟ وكيف يتم توظيف أبناء العائلة؟ وهل الكفاءة هي المعيار أم صلة الدم؟ وما هي آلية التخارج لمن لا يرغب في الاستمرار؟

الانتقال من "سلطة المؤسس" إلى "دولة المؤسسة"

في مرحلة التأسيس، تكون "كاريزما" المؤسس وحكمته هي الضمانة لوحدة العائلة واستقرار العمل. لكن الرهان على بقاء الأشخاص رهان خاسر؛ فالأشخاص يرحلون وتبقى المؤسسات. لذا، فإن جوهر الحوكمة يكمن في تحويل هذه السلطة الشخصية المركزية إلى "عمل مؤسسي" له قواعد حاكمة لا تتغير بتغير الأسماء.يتطلب هذا التحول شجاعة كبيرة من الجيل الأول للتنازل عن جزء من مركزية القرار لصالح "مجلس العائلة" أو "مجلس الإدارة"، وإيمانًا عميقاً من الجيل الثاني والثالث بأن الالتزام بهذه القواعد هو الضمانة الوحيدة لحماية حصصهم ونموها.

ركائز الاستدامة

لضمان نجاح هذا التحول، يجب أن يرتكز البناء القانوني للشركة العائلية على أسس متينة، أهمها:

  1. الفصل بين الملكية والإدارة: ليس بالضرورة أن يكون المالك مديراً. توظيف الكفاءات المستقلة (غير العائلية) في المناصب القيادية قد يكون القرار الأجرأ والأكثر ربحية.
  2. آلية فض النزاعات: الاتفاق المسبق على طرق ودية (مجلس العائلة) أو قانونية (التحكيم) لحل الخلافات الداخلية، لضمان بقاء أسرار العائلة وسمعتها التجارية بعيداً عن أروقة المحاكم والعلن.
  3. تنظيم التخارج: وضع آليات عادلة لتقييم الحصص وشراء أسهم من يرغب في الخروج، بما يحفظ للشركة سيولتها وللخارج حقه، دون أن يؤدي ذلك إلى تصفية الكيان أو انهياره.

الخلاصة

إن كتابة دستور العائلة اليوم، والجميع على وفاق، هو أعظم إرث يمكن أن يتركه المؤسس لأبنائه وأحفاده، يفوق في قيمته العقارات والأرصدة. فالثروة بلا نظام يحميها، هي وقود لنزاع قادم. والحوكمة الرشيدة هي الجسر الآمن الذي تعبر عليه العائلة التجارية من جيل التأسيس إلى جيل الاستدامة والنمو.


خبراتنا في سطور:

المحامي الدكتور عبدالله بن علي العجلان

الشريك المؤسس وعضو مجلس المديرين في شركة 3A للمحاماة.

يمتلك خبرة نوعية ممتدة جمع خلالها بين الممارسة التطبيقية العميقة في القطاع العدلي، والخبرة التنفيذية في اللجان الحكومية المتخصصة (تصفية) والقطاع المصرفي، وهو مسؤول حوكمة دولي معتمد (ICCGO)، مما يمنحه رؤية استراتيجية شاملة لإدارة الملفات التجارية المعقدة وحوكمة الشركات العائلية.