
عندما يقرر القاضي التجاري إحالة ملف القضية إلى "خبير" (سواء كان مكتباً محاسبياً، أو هندسياً، أو مُقيّماً عقارياً)، يتنفس كثير من المتقاضين الصعداء، معتقدين أن القضية قد دخلت في "استراحة محارب" أو مجرد إجراء روتيني إداري. والحقيقة التي يدركها المحامون المتمرسون هي العكس تماماً: لحظة إحالة القضية للخبرة هي "لحظة الحسم" الأخطر في عمر النزاع.
في القضايا التجارية المعقدة (مثل تصفية الشراكات، أو المقاولات الكبرى، أو منازعات التوريد)، لا يملك القاضي -رغم علمه الشرعي والنظامي- الأدوات الفنية لتحديد "كمية الخرسانة المصبوبة" أو "صحة القوائم المالية". هنا يتحول الخبير من مجرد "مساعد" للقاضي إلى "قاضٍ فني"؛ حيث يصبح تقريره النهائي في الغالب هو "مسودة الحكم القضائي" التي سيعتمد عليها القاضي لاحقاً في إصدار حكمه.
المعركة تُحسم في مكتب الخبير لا في القاعة
بصفتي خبيراً معتمداً لدى وزارة العدل، ومحامياً ترافع في قضايا تجارية شائكة، ألحظ خطأً استراتيجياً فادحاً تقع فيه كثير من الشركات: وهو التعامل باستخفاف مع جلسات الخبرة. تجد الشركة ترسل موظفاً صغيراً غير ملم بالتفاصيل لمقابلة الخبير، أو تقدم مستندات غير مرتبة (كرتون فواتير)، معتقدة أنها تستطيع "الاعتراض" لاحقاً أمام القاضي.والواقع أن الاعتراض على تقرير الخبير بعد صدوره مهمة شاقة جداً ونادرة القبول، ما لم يكن هناك خطأ مهني فادح. فالمحكمة تعتبر الخبير هو "ذراعها الفني"، والتشكيك فيه يتطلب أدلة دامغة. لذا، فإن المعركة الحقيقية لكسب القضية تدور رحاها داخل اجتماعات الخبرة، وليس أمام القوس.
كيف تدير ملف الخبرة لصالحك؟
لتحويل مسار الخبرة من "تهديد" إلى "فرصة"، يجب إدارة الملف بعقلية احترافية تعتمد على:
1. المذكرة الفنية الاستباقية: لا تنتظر أسئلة الخبير. بادر بتقديم مذكرة شارحة (Brief) تلخص وقائع النزاع المالي أو الفني، وتربطها بالمستندات، لتسهل على الخبير فهم وجهة نظرك قبل أن يبني قناعاته.
2. ترتيب المستندات: الخبير ليس محققاً جنائياً ليبحث عن الإبرة في كومة قش. تقديم المستندات مفهرسة وواضحة ومرتبة زمنياً يفرض احترامك المهني، ويجعل الخبير يميل للاعتماد على وثائقك لسهولة الوصول إليها.
3. الفريق المختلط: لا ترسل المحامي وحده، ولا المحاسب وحده. جلسات الخبرة تتطلب فريقاً يجمع بين "القدرة القانونية" لحماية الإجراءات، و"القدرة الفنية" لمناقشة الخبير في صلب تخصصه.
الخلاصة
تقرير الخبير هو "القول الفصل" في الجانب الفني للنزاع، وهو البوصلة التي توجه قلم القاضي عند كتابة الحكم. لذا، فإن الاستثمار في إعداد ملف الخبرة ومتابعته بدقة ليس جهداً ضائعاً، بل هو أقصر طريق للحصول على حكم قضائي يوافق الحقيقة ويحفظ الحقوق.تذكر دائماً: لا تنتظر الحكم لتطعن فيه، بل ساهم في صناعته وهو لا يزال "مسودة" بين يدي الخبير.
خبراتنا في سطور:
المحامي عبدالله بن عبدالحميد الغليقة
شريك مؤسس وعضو مجلس المديرين في شركة 3A للمحاماة والاستشارات القانونية. حاصل على الماجستير في القانون التجاري من جامعة الفيصل. يجمع بين الخبرة القانونية والخبرة الفنية بصفته خبيراً معتمداً لدى وزارة العدل، وعضو الأكاديمية الدولية للوساطة والتحكيم، بالإضافة إلى خبرته التنفيذية كعضو مجلس إدارة سابق في شركات مساهمة كبرى (العبيكان)، مما يمنحه فهماً عميقاً لآليات الفصل في النزاعات التجارية والفنية.