
لطالما سادت في أوساط قطاع الأعمال نظرة نمطية تقليدية تجاه الإدارة القانونية، باعتبارها "إدارة الرفض" (The Department of No)؛ الجهة التي تذهب إليها الأفكار المبتكرة والمشاريع الجريئة لتموت تحت مطرقة "المخاطر القانونية". في هذه النظرة الناقصة، يقتصر دور المستشار القانوني على كونه "حارس مرمى" مهمته الوحيدة هي الذود عن شباك الشركة ومنع الأهداف العكسية (المخالفات والغرامات). ورغم أهمية هذا الدور الحمائي، إلا أنه لم يعد كافياً في بيئة أعمال تتسم بالتنافسية الشرسة والتعقيد التنظيمي.اليوم، ومع تحول الشركات نحو نماذج أعمال أكثر ديناميكية، يجب أن يتطور دور المستشار القانوني من مجرد "حارس" يقف في الخطوط الخلفية، إلى "صانع ألعاب" (Playmaker) يتواجد في قلب الميدان، يقرأ الملعب، ويصنع فرص التهديف، ويمرر الحلول الذكية التي تمكن الشركة من تسجيل أهدافها الاستراتيجية بأمان.
فخ "لا" السهلة
إن أسهل كلمة يمكن أن يقولها المحامي هي "لا"، فهي الكلمة التي تريحه من عناء البحث والمسؤولية. لكن المستشار الاستراتيجي الحقيقي هو الذي لا يكتفي برصد العقبة، بل يبتكر الحل لتجاوزها. إنه الشخص الذي يفهم لغة الأرقام والمخاطر التجارية تماماً كما يفهم لغة النصوص والمواد النظامية.عندما يطرح الرئيس التنفيذي فكرة منتج جديد أو صفقة استحواذ، لا ينتظر من مستشاره أن يسرد له قائمة الممنوعات، بل ينتظر منه أن يرسم له "خارطة الطريق القانونية" التي تجعل هذه الصفقة ممكنة بأقل قدر من المخاطر. هنا يتحول القانون من "قيد" يعيق الحركة، إلى "أداة" للهندسة المالية والإدارية تمنح الشركة ميزة تنافسية.
إدارة الأزمات: الوقاية قبل العلاج
تتجلى القيمة الحقيقية للمستشار القانوني "القيادي" في إدارة الأزمات. فبينما ينشغل المحامي التقليدي بالدفاع عن الشركة بعد وقوع الكارثة (سواء كانت نزاعاً قضائياً أو أزمة سمعة)، يعمل المستشار الاستراتيجي بمبدأ "إدارة المخاطر الوقائية". إنه يتنبأ بالأزمات المحتملة من خلال قراءة الثغرات في العقود، أو رصد التحولات في التوجهات القضائية والتشريعية، فيتدخل مبكراً لتعديل المسار قبل الاصطدام.
المستشار كشريك في القرار
لكي يلعب المستشار هذا الدور الحيوي، يجب أن تتغير عقلية مجلس الإدارة أولاً. لا يجب استدعاء القانوني فقط عند توقيع العقود النهائية أو عند وصول تبليغ قضائي، بل يجب أن يكون حاضراً في "المطبخ الاستراتيجي" منذ اللحظات الأولى لتكون الأفكار.وجود المستشار القانوني المتمرس على طاولة مجلس الإدارة يمنح القرارات حصانة ومتانة، ويحول المخاطر القانونية من "مفاجآت مرعبة" إلى "معطيات مدروسة" يمكن التعامل معها.
الخلاصة
في عالم اليوم، المحامي الذي لا يفهم "البزنس" هو عبء على موكله، والمدير الذي يهمش القانون هو مقامر بمستقبل شركته. المعادلة الناجحة تكمن في التكامل: إدارة تنفيذية تجرؤ على الحلم، وإدارة قانونية تمتلك الأدوات لتحويل هذا الحلم إلى واقع آمن ومستدام.
خبراتنا في سطور:
المحامي الدكتور عبدالله بن علي العجلان
الشريك المؤسس وعضو مجلس المديرين في شركة 3A للمحاماة.
يمتلك خبرة نوعية ممتدة جمع خلالها بين الممارسة التطبيقية العميقة في القطاع العدلي، والخبرة التنفيذية في اللجان الحكومية المتخصصة (تصفية) والقطاع المصرفي، وهو مدرب معتمد وكاتب في مجالات القيادة وإدارة الأزمات، مما يمنحه رؤية استراتيجية شاملة لدعم صناع القرار في الكيانات الكبرى.