المسؤولية القانونية لأعضاء مجالس الإدارة: أين ينتهي القرار الإداري وتبدأ المساءلة النظامية؟

يُنظر غالباً إلى عضوية مجالس الإدارة في الشركات باعتبارها "تشريفاً" اجتماعياً ومهنياً، وتتويجاً لمسيرة من النجاحات القيادية. ورغم صحة هذا الجانب، إلا أن الواقع القانوني -خاصة في ظل نظام الشركات الجديد وتطور معايير الحوكمة- يحمل وجهاً آخر أكثر صرامة؛ وهو أن العضوية "تكليف ومسؤولية" قد تعرض صاحبها للمساءلة القانونية الشخصية، وتعويضات مالية قد تطال ماله الخاص، إذا تجاوز الخط الفاصل بين "الاجتهاد الإداري" و"التقصير المهني".إن أخطر ما يواجه عضو مجلس الإدارة اليوم هو عدم إدراكه لحدود مسؤولياته، واعتقاده أن التصويت الجماعي يحميه من المساءلة الفردية، أو أن "حسن النية" كافٍ لتبرير القرارات الخاطئة التي تكبد الشركة خسائر فادحة.


قاعدة "الحكم التجاري": درع الحماية المشروط

من المبادئ القانونية الراسخة عالمياً ومحلياً أن عضو مجلس الإدارة لا يُسأل عن الخسائر التجارية الناتجة عن قراراته إذا كانت مبنية على دراسة واجتهاد (Business Judgment Rule). فالقانون لا يعاقب على "سوء الحظ" أو تقلبات السوق.لكن هذا الدرع يسقط فوراً وتتحول المسؤولية إلى "جنائية أو تعويضية" في حالات محددة، أبرزها:

  1. تعارض المصالح: التصويت على قرار يحقق مصلحة شخصية للعضو أو لأقاربه دون الإفصاح عنه واتباع مسار الترخيص النظامي.
  2. الإهمال الجسيم: اتخاذ قرارات استثمارية ضخمة دون الاعتماد على دراسات جدوى أو استشارة خبراء، مما يخرج التصرف من دائرة "المخاطرة المحسوبة" إلى دائرة "التهور".
  3. غيبة المعلومة: التصويت بـ "نعم" لمجرد مسايرة الأغلبية دون قراءة الوثائق أو مناقشتها.


فخ "المسؤولية التضامنية" 

يقع كثير من الأعضاء في فخ الاطمئنان إلى أن القرار اتُخذ بالأغلبية، متناسين مبدأ "المسؤولية التضامنية". ففي حال ثبوت خطأ المجلس الذي أضر بالشركة أو الدائنين، يحق للمتضرر الرجوع بالتعويض على جميع الأعضاء الذين وافقوا على القرار. هنا تبرز الأهمية القانونية لمحاضر الاجتماعات؛ فصمت العضو عن الاعتراض لا يعفيه، بل يجب عليه -لحماية نفسه- أن يُثبت اعتراضه "كتابةً" في محضر الاجتماع بشكل صريح ومسبب. فالمحضر ليس مجرد ورقة أرشيفية، بل هو "وثيقة براءة" قد يحتاجها العضو بعد سنوات أمام القضاء.

الخلاصة

إن المنصب القيادي في مجلس الإدارة يتطلب توازداً دقيقاً بين الجرأة في اتخاذ القرار لدفع عجلة النمو، وبين الحذر في الالتزام بالأنظمة لحماية حقوق المساهمين.نصيحتي لكل عضو مجلس إدارة: لا تكتفِ بالحضور الشرفي، وكن حريصاً على التدوين والتوثيق، ولا تتردد في طلب المشورة القانونية المستقلة قبل التصويت على القرارات المصيرية. فالحوكمة ليست قيداً يكبلك، بل هي طوق النجاة الذي يحميك عند العواصف.


خبراتنا في سطور: 

المحامي عبدالعزيز بن حسن العويس 

الشريك المؤسس وعضو مجلس المديرين في شركة 3A للمحاماةيحمل درجة الماجستير في القانون الخاص ، ويمتلك خبرة عملية مباشرة كعضو في مجالس إدارات ولجان إشرافية لعدة شركات ، مما يجعله خبيراً في الجوانب التطبيقية لمسؤوليات المدراء وحوكمة القرارات الإدارية، فضلاً عن عضويته في المجمع الملكي البريطاني للمحكمين.