
يقوم عصب التجارة الحديثة على ركيزتين أساسيتين: السرعة في الإنجاز، والثقة في الوفاء. وفي ظل التعاملات المالية الضخمة، يصبح "التدفق النقدي" (Cash Flow) هو الشريان الذي يمد الشركات بالحياة. لكن الكابوس الذي يؤرق كل تاجر وممول هو تحول هذه الديون المستحقة إلى "أصول ميتة" لدى مدينين مماطلين، والدخول في نفق مظلم من التقاضي يمتد لسنوات، لا لإثبات الحق، بل فقط للحصول على حكم يُلزم المدين بالدفع.
من هنا، برز مفهوم "القانون الوقائي" الذي ينقل التاجر من مربع "الدفاع عن الحق" في المحاكم الموضوعية، إلى مربع "اقتضاء الحق" فوراً عبر قضاء التنفيذ. الأداة السحرية في هذا التحول هي "السندات التنفيذية"؛ تلك الأوراق التجارية التي منحها المنظم قوة الحكم القضائي النهائي، شريطة أن تُصاغ وتُهندس بذكاء قانوني دقيق.
الفرق بين "صاحب الحق" و"صاحب السند"
قد يمتلك التاجر عقداً تجارياً مُحكماً يثبت حقه في ملايين الريالات، لكنه يضطر لخوض رحلة قضائية تبدأ بمحاكم الدرجة الأولى وتمر بالاستئناف وربما العليا، وتستغرق وقتاً طويلاً وجهداً مضنياً. في المقابل، قد يمتلك تاجر آخر ورقة واحدة (كمبيالة أو سند لأمر) بنفس المبلغ، تتيح له التوجه مباشرة إلى "محكمة التنفيذ" لإيقاع الحجز على حسابات المدين وأصوله ومنعه من السفر خلال أيام معدودة. الفرق هنا ليس في عدالة الحق، بل في "كفاءة الأداة" المستخدمة لتوثيق هذا الحق.
هندسة السند: الشيطان يكمن في التفاصيلمن خلال الخبرة العملية الممتدة في القطاع المصرفي ومتابعة واقع المنازعات في محاكم التنفيذ، نجد أن كثيراً من الشركات تخسر ميزة "القوة التنفيذية" لأوراقها التجارية بسبب أخطاء شكلية قد تبدو بسيطة لكنها قاتلة. فمحكمة التنفيذ هي محكمة "شكل" في المقام الأول، تتطلب توافر بيانات إلزامية دقيقة حددها النظام (مثل عبارة "سند لأمر"، تاريخ الاستحقاق، المبلغ المحدد، التوقيع).
أي خلل في هذه البيانات، أو تعليق الوفاء على "شرط" خارجي، أو ربط السند بعقد تجاري معقد ومنازع فيه، يُفقد الورقة صفتها التنفيذية، ويحيلها إلى مجرد "مستند عادي" يضطر حامله للعودة إلى قاضي الموضوع لإثبات المديونية، وهنا تضيع ميزة السرعة والحسم.
الحلول الوقائية للمؤسسات المالية والتجارية
لضمان التحصيل السريع وتجنب التعثر، يجب على إدارات الائتمان والشؤون القانونية في الشركات اعتماد منهجية صارمة في "هندسة الضمانات"، تشمل:
الخلاصة
إن القوة الحقيقية في عالم المال لا تكمن فقط في امتلاك الحق، بل في القدرة على تنفيذه. والسند التنفيذي المكتوب بمهنية عالية هو بمثابة "شيك مصدق" مؤجل الدفع، يمنحك الأمان ويفرض على الطرف الآخر جدية الالتزام. فلا تترك أموالك رهينة لإجراءات التقاضي الطويلة، بينما كان بإمكانك حسمها بورقة واحدة صِيغت بإحكام.
خبراتنا في سطور:
المحامي الدكتور عبدالله بن علي العجلان
الشريك المؤسس وعضو مجلس المديرين في شركة 3A للمحاماة. يمتلك خبرة نوعية ممتدة جمع خلالها بين الممارسة التطبيقية العميقة في القطاع العدلي ومحاكم التنفيذ، والخبرة التنفيذية كمستشار قانوني في القطاع المصرفي (مصرف الراجحي والشركات التابعة له)، مما يمنحه رؤية استراتيجية شاملة لهندسة المنتجات المالية والوقاية من المنازعات التجارية.