
ينشأ الخلاف بين الورثة في التركات العقارية أو الشركاء في الشراكات التجارية الضخمة، فينصرف همهم غالباً إلى «قسمة المال»، ويغفلون في غمرة النزاع -الذي قد يطول أمده في المحاكم- عن الخطر الأكبر الذي يتهدد الثروة ذاتها، ألا وهو «سوء الإدارة» أثناء النزاع. فالعقارات تُهمل صيانتها، والإيجارات لا تُحصّل، والفرص الاستثمارية تفوت؛ لتؤول التركة عند القسمة إلى هيكل متهالك قد خسر شطرًا من قيمته السوقية.
ومن هنا تبرز الحراسة القضائية، التي هي الوسيلة النظامية الوقائية للأموال المشتركة؛ إلا أن النظر إليها يختلف، فبينما يعدها بعضهم ملاذًا لحفظ الأموال من العبث، يتوجس منها آخرون ويعدُّونها غلًّا ليد الملاك، وتعقيدًا للمشهد. وبحكم الخبرة في إدارة قضايا التركات الكبرى والعمل مع تحالفات التصفية، نُحرر القول في مواضع استخدام هذه الوسيلة بفاعلية:
المفهوم الشرعي والنظامي: (رعاية لا تجميد)
ليست الحراسة القضائية مصادرةً للملكية، إنما هي نيابة مؤقتة يقررها القضاء لحفظ المال المتنازع عليه، وإدارته بواسطة أمين، وهو الحارس القضائي ذو الكفاءة، إلى أن ينقضي النزاع صلحًا أو قضاءً. فالغاية ليست تجميد الأصول، بل ضمان استمرار نمائها (تحصيلًا للغلات، ووفاءً للديون، وتجديدًا للعقود)؛ لتُسلّم إلى الورثة رابحة لا خاسرة.
معيار (الخطر العاجل)
لا يقضي القضاء التجاري أو العام بالحراسة القضائية لمجرد وجود شقاق؛ إذ يلزم لقبول الدعوى صياغة الدعوى أو الطلب بما يثبت للمحكمة توافر ركن (الخطر العاجل)، أو (الخشية من ضياع الحقوق)؛ فمتى استأثر أحد الورثة بريع العقار، أو أبرم مدير الشركة العائلية صفقات تضر بمركزها المالي؛ غدت الحراسة ضرورة. أما الرغبة في مجرد المناكفة دون خطر حقيقي على المال، فمآلها رفض الدعوى.
الحراسة في عهد «إنفاذ» (عمل مؤسسي ونقلة نوعية)
كان تعيين الحارس القضائي سابقًا يواجه تحديات تتعلق بضعف الخبرة الإدارية للأفراد. أما اليوم، ومع إسناد ملفات الحراسة والتصفية إلى مركز الإسناد والتصفية «إنفاذ»، انتقل العمل إلى المرحلة «المؤسسية». فأصبح الحارس القضائي -في الغالب- مكتبًا متخصصًا (محاسبيًا أو قانونيًا) يعمل وفق معايير أداء دقيقة، وتحت رقابة صارمة تكفل أعلى درجات الشفافية في إدارة التركة.
متى نوصي بالحراسة؟
بناءً على الممارسة العملية، فإن الحراسة القضائية يُنصح بها في حالتين:
- تعدد الأصول وتداخلها، فحين تكون التركة مجموعة شركات أو عقارات مدرة للدخل، ويُخشى عليها من تعطل العمليات التشغيلية لتنازع الصلاحيات.
- انعدام الثقة: حين تنعدم الثقة بين الأطراف، فيغدو وجود طرف ثالث محايد (الحارس) الضمان الوحيد لتهدئة النفوس وتمهيد الطريق للقسمة النهائية.
الخلاصة
الحراسة القضائية هي (غرفة العناية المركزة) التي توضع فيها التركة للحفاظ على حياتها وقيمتها لحين انتهاء (الجراحة القضائية) وهي القسمة.
قرار طلب الحراسة يجب أن يُدرس بعناية من مستشار قانوني يوازن بين تكلفتها ومصلحتها، لضمان أن تكون وسيلة لحفظ الحقوق، لا سببًا لمزيد من الاستنزاف.
خبراتنا في سطور:
المحامي أحمد بن عبدالكريم الحسين
مدير إدارة القضايا في شركة 3A للمحاماة والاستشارات القانونية.
حاصل على الماجستير في الفقه المقارن من المعهد العالي للقضاء ، ويمتلك خبرة تتجاوز عشرة أعوام في المجال القانوني ، تخصص خلالها في تصفية التركات الكبرى والمساهمات، وعمل ضمن تحالفات متخصصة لتقديم خدمات الحراسة القضائية والتصفية المسندة لمركز إنفاذ". كما يحمل رخصة موثق معتمد من وزارة العدل.