التسهيلات البنكية وعقود التمويل: قراءة قانونية للمخاطر الخفية قبل التوقيع

في عالم الأعمال، يعتبر "التمويل" وقود النمو والتوسع. وللحصول على هذا الوقود، تسعى الشركات جاهدة للحصول على التسهيلات البنكية لتعزيز سيولتها النقدية. وفي غمرة الفرح بالموافقة الائتمانية، غالباً ما يرتكب المدراء الماليون وأصحاب الأعمال خطأً استراتيجياً قاتلاً: التعامل مع اتفاقية التسهيلات البنكية (Facility Agreement) على أنها "عقد إذعان" روتيني غير قابل للنقاش، وتوقيع عشرات الصفحات المليئة بالمصطلحات القانونية المعقدة دون فحص دقيق.

الحقيقة التي يدركها الخبراء هي أن البنك -كمؤسسة تجارية- يحمي نفسه بترسانة من البنود الصارمة. الخطر لا يكمن في "معدل الفائدة" الواضح، بل يكمن في "التفاصيل القانونية الدقيقة" التي قد تمنح البنك الحق في خنق الشركة مالياً في لحظات التعثر البسيط، أو السيطرة على قراراتها الاستراتيجية.

فخ "حالات الإخلال" (Events of Default)

أخطر ما في عقود التمويل ليس جدول السداد، بل القسم الخاص بـ "حالات الإخلال". قد يتضمن هذا القسم بنوداً فضفاضة تمنح البنك الحق في إعلان تعثر الشركة والمطالبة بسداد كامل القرض فوراً (Acceleration) لأسباب قد تبدو بسيطة، مثل: تغيير في هيكل الملكية، أو انخفاض مؤشرات مالية معينة، أو حتى مجرد "الاشتباه" في حدوث تغيير جوهري سلبي (MAC Clause).توقيع هذه البنود دون وضع ضوابط قانونية تحددها بدقة، يجعل رقبة الشركة تحت سيف البنك في أي لحظة، وقد يؤدي لنسف استقرارها المالي بقرار واحد.

الكفالات: بين الشخصية والتضامنية

كثيراً ما يطلب البنك ضمانات إضافية تتجاوز أصول الشركة، لتصل إلى "الكفالات الشخصية" للشركاء (Personal Guarantees) أو سندات لأمر مفتوحة. الخطورة هنا تكمن في الخلط بين الذمة المالية للشركة (ذات المسؤولية المحدودة) والذمة المالية الخاصة للشركاء.المراجعة القانونية الذكية للعقد هي التي تفاوض لتحجيم هذه الضمانات، وربطها بنطاق محدد وزمن محدد، لضمان ألا يتحول تعثر المشروع التجاري إلى كارثة تعصف بأموال الشركاء وأسرهم الخاصة.

القيود السالبة (Negative Covenants)

تحتوي العقود البنكية غالباً على قيود تمنع الشركة من اتخاذ قرارات مصيرية دون إذن البنك، مثل: توزيع الأرباح، الاستحواذ على شركات أخرى، أو بيع أصول رئيسية. إذا لم يتم صياغة هذه القيود بمرونة قانونية تراعي خطط توسع الشركة، فقد يجد مجلس الإدارة نفسه مكبلاً وغير قادر على إدارة الشركة بحرية، وكأن البنك أصبح "شريكاً صامتاً" يملك حق الفيتو.

الخلاصة

إن توقيع عقد تمويل بملايين الريالات ليس مجرد إجراء مالي، بل هو التزام قانوني طويل الأمد قد يرهن مستقبل الشركة لسنوات. دور المحامي المتخصص هنا ليس "عرقلة التمويل"، بل "هندسة المخاطر"؛ للتأكد من أن شروط البنك تظل في إطار التحوط المشروع، ولا تتحول إلى حبال تلتف حول عنق الشركة عند أول عثرة.تذكر دائماً: البنك يبيعك المال، لكن العقد هو الذي يحدد ثمن هذا المال الحقيقي.


خبراتنا في سطور: 

المحامي عبدالعزيز بن حسن العويس

الشريك المؤسس وعضو مجلس المديرين في شركة 3A للمحاماة. يحمل درجة الماجستير في القانون الخاص ، ودبلوم متخصص في إدارة الأعمال المصرفية والاستثمار. يجمع بين الخبرة القانونية والعمق المالي، وهو عضو في المجمع الملكي البريطاني للمحكمين (CIArb) ، مما يمنحه قدرة عالية على تحليل العقود المالية المعقدة وحماية مصالح الشركات التجارية.