الاستثمار الأجنبي المباشر في المملكة: هندسة "المشاريع المشتركة" (JVs) بين المعايير الدولية والسيادة التنظيمية المحلية

لم تعد المملكة العربية السعودية اليوم مجرد اقتصاد نفطي تقليدي، بل أصبحت واحدة من أكثر البيئات الاستثمارية ديناميكية على مستوى العالم. ومع التحولات الكبرى التي تقودها رؤية 2030، والحوافز التشريعية مثل برنامج المقرات الإقليمية (RHQ)، باتت المملكة منصة مركزية لاستقطاب رؤوس الأموال العالمية والشركات متعددة الجنسيات من الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا، بحيث يدخل المستثمر الأجنبي اليوم إلى المملكة العربية السعودية وهو يحمل تصوراً واضحاً فرصة اقتصادية تاريخية، نمو متسارع، إصلاحات تشريعية جريئة، وسوق يعيد تعريف موقعه في الاقتصاد العالمي. لكن ما يكتشفه كثيرون بعد الدخول ليس أن السوق صعب، بل أن الشراكة هي الاختبار الحقيقي.


السعودية ليست مجرد وجهة استثمارية صاعدة، بل بيئة تنظيمية ذات سيادة قانونية خاصة، تتطور بسرعة، وهنا تحديداً تظهر المشاريع المشتركة (Joint Ventures) كأداة استراتيجية مثالية لدخول السوق السعودي، لأنها تجمع بين التكنولوجيا الدولية والخبرة المحلية، وتخلق نموذجاً متوازناً للتوسع والاستقرار، لكنها أيضاً قد تتحول إلى أكثر نقطة هشاشة إذا لم تُهندس قانونياً منذ البداية.
لكن من واقع خبرتي في إدارة محافظ قانونية دولية تجاوزت قيمتها 400 مليون دولار عبر أكثر من خمسين دولة، أؤكد أن كثيراً من هذه التحالفات الواعدة لا تتعثر بسبب ضعف الجدوى الاقتصادية، بل بسبب ما أسميه دائماً "فجوة الهندسة القانونية بين العقلية التجارية الدولية والسيادة التنظيمية المحلية."


أحد الأخطاء الكلاسيكية لدى الشركات متعددة الجنسيات هو التعامل مع السوق السعودي بمنطق النسخ واللصق بمعنى!
اتفاقيات مساهمين جاهزة من لندن!
نماذج حوكمة مستوردة من نيويورك!
بنود تخارج صيغت تحت أنظمة لا تشبه الرياض!
ثم تأتي المفاجأة: ما يبدو مثالياً على الورق… لا يكون قابلاً للتنفيذ في الواقع.
والسبب يتمثل في محاولة استنساخ نماذج عقود جاهزة (Templates) صيغت في بيئات قانونية إنجلوسكسونية، ثم إسقاطها مباشرة على شراكات داخل المملكة. وهنا لا يكون دور المستشار القانوني الدولي مجرد “مترجم” للنصوص، بل مهندس جسور يعيد بناء العلاقة بطريقة تحترم المعايير العالمية وتتماشى مع النظام السعودي.


ومن المعروف في عقود المشاريع المشتركة JV، تشكل اتفاقية الشركاء (Shareholders’ Agreement) الدستور الحاكم للعلاقة، ويجب أن تُصاغ بعناية فائقة لضمان نفاذها أمام القضاء المحلي. والتحدي الحقيقي يكمن في مواءمة مفاهيم مثل (Tag-along & Drag-along Rights) و (Put & Call Options)، او آليات التحكم والإدارة والتخارج مع أحكام نظام الشركات السعودي الجديد ومتطلبات البيئة التنظيمية المتسارعة.
في عالم الاستثمار العابر للحدود، الجميع يتحدث عن الأرقام.  لكن المستثمر المحترف يعرف أن الصفقات لا تنهار بسبب الميزانيات، بل بسبب ما هو غير مكتوب في القوائم المالية – فعلى سبيل المثال لا الحصر- ضعف الامتثال وغياب الحوكمة، او تضارب المصالح بالاضافه الى مخاطر السمعة العابرة للحدود، و فجوات AML وESG.

ولهذا فإن Due Diligence في السعودية يجب ألا يكون فحصاً محاسبياً فقط، بل خط الدفاع الأول. ومن خلال إدارتنا لصفقات اندماج واستحواذ معقدة، نركز على ما يمكن تسميته (Governance & Compliance Check)، ونسأل أسئلة جوهرية مثل:
-  هل الشريك المحلي ممتثل لمعايير مكافحة غسل الأموال (AML)؟
-  هل يمتلك منظومة حوكمة تتوافق مع متطلبات ESG التي تلتزم بها الشركة الأم في لندن أو نيويورك؟
- هل هناك مخاطر قد تتحول إلى عقوبات دولية عابرة للحدود؟
أي تهاون في هذه الزاوية لا يخلق مشكلة محلية فقط، بل قد يعرض المجموعة العالمية بأكملها لمساءلات تنظيمية دولية. لأن فشل JV محلي قد يتحول بسرعة إلى مساءلة دولية.
المستثمر الذكي يدرك انه "لا توجد شراكة أبدية!". الخطأ الاستراتيجي الذي ترتكبه الشركات هو الدخول في الشراكة بحماس وتجاهل "بوابة الخروج". الهندسة القانونية الصحيحة تتطلب وضع سيناريوهات واضحة لـ "طريق المسدود" (Deadlock Provisions) وآليات التخارج الودي.
كما أن اختيار آلية فض النزاعات (Dispute Resolution) يعتبر قراراً استثمارياً بحد ذاته. 

الموازنة بين التحكيم الدولي (International Arbitration) وبين القضاء التجاري المحلي تعتمد على طبيعة الأصول وقيمتها، وقابلية تنفيذ الحكم الأجنبي داخل المملكة، وهو ما يتطلب خبرة عميقة في كلا النظامين.
بالخلاصة يمكننا القول ان " الفرصة تحتاج إلى حماية " والمملكة تقدم فرصاً استثمارية هائلة… لكن الفرصة وحدها لا تكفي. الاستثمار الأجنبي الناجح ليس مجرد توقيع عقد أو تأسيس سجل تجاري، بل هو بناء هيكل قانوني وحوكمي متين يتحدث لغة العالم في المعايير، ويحترم سيادة النظام المحلي في التطبيق.


ولهذا فإن نصيحتي للمستثمر الدولي والمحلي على حد سواء: لا تبحث عن محامٍ يكتب لك العقد، بل ابحث عن شريك استراتيجي يهندس لك العلاقة.


خبراتنا في سطور:
المستشار محمد حسين الطراونة
مدير إدارة الأعمال الدولية في شركة 3A للمحاماة.
خبير في الحوكمة الدولية، وعمليات الدمج والاستحواذ (M&A)، وإدارة المخاطر القانونية العابرة للحدود. يمتلك خبرة تتجاوز 15 عاماً أدار خلالها محافظ عقود وقضايا بقيمة تزيد عن 400 مليون دولار في أكثر من 50 دولة، مقدماً استشاراته لشركات متعددة الجنسيات، ومنظمات أممية، وجهات حكومية. حاصل على شهادات تنفيذية متقدمة في القيادة والحوكمة من كلية هارفارد كينيدي (Harvard Kennedy School) وجامعة ولاية أريزونا (ASU).