
مع تحول المملكة العربية السعودية إلى أكبر ورشة بناء في العالم تقودها مشاريع "الرؤية" العملاقة (Giga-Projects)، أصبحت نماذج عقود الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين "فيديك" (FIDIC) هي اللغة المشتركة بين الملاك الحكوميين والمطورين والمقاولين الدوليين. ورغم أن هذه النماذج توفر إطاراً عالمياً موحداً لتوزيع المخاطر، إلا أن الواقع العملي الذي عايشناه من خلال إدارة محافظ عقود إنشاءات تجاوزت قيمتها 250 مليون دولار، يكشف عن "فخ استراتيجي" يقع فيه كثير من المقاولين الدوليين: وهو الاعتقاد بأن عقد الفيديك "محصن" وقابل للتطبيق كما هو في أي مكان في العالم.
الحقيقة القانونية الراسخة هي أن عقد الفيديك، مهما بلغت دقة صياغته الدولية، ينحني في النهاية أمام "السيادة القانونية المحلية". وفي السعودية، حيث الشريعة الإسلامية والأنظمة المحلية هي المرجعية الحاكمة، قد تصبح بعض بنود الفيديك القياسية "حبراً على ورق" أو مصدراً لنزاعات مدمرة إذا لم تتم "سعودتها" بذكاء قانوني.
وهم "العقد القياسي"
إن أكبر خطأ نراه في المشاريع الكبرى هو الاكتفاء بملء "الشروط العامة" (General Conditions) للفيديك دون إجراء تعديلات جوهرية في "الشروط الخاصة" (Particular Conditions). يجب أن يدرك المستثمر والمقاول أن بنوداً جوهرية في الفيديك قد تصطدم بمبادئ النظام العام في المملكة، ومنها:
إدارة المطالبات الزمنية والمالية
تعتبر آليات "الإشعارات" (Notices) والمدد الزمنية الصارمة (Time-bars) في الفيديك (مثل المادة 20.1 الشهيرة) سيفاً مسلطاً على رقبة المقاول، حيث تسقط حقه في المطالبة إذا تأخر في الإبلاغ. لكن، من خبرتنا في فض المنازعات والتحكيم، نجد أن المحكمين والقضاة في المنطقة قد يميلون إلى مبادئ العدالة و"حسن النية" وعدم الإثراء بلا سبب، مما قد يفتح الباب للمقاول للمطالبة بحقه حتى مع فوات الميعاد الإجرائي، بشرط إثبات الضرر الفعلي. فهم هذه الفروقات الدقيقة هو ما يحمي حقوق الأطراف.
القوة القاهرة والظروف الطارئة
لقد أعادت الأزمات العالمية الأخيرة تعريف المخاطر. وهنا يجب التمييز بحذر بين مصطلح "القوة القاهرة" (Force Majeure) في الفيديك، وبين نظرية "الظروف الطارئة" في النظام السعودي. الفيديك قد يعفي من التنفيذ، لكن النظرية المحلية قد تذهب لأبعد من ذلك وتسمح للمحكمة بالتدخل لـ "إعادة التوازن المالي للعقد" (Rebalancing)، وهو ما يشكل شبكة أمان حيوية للمقاولين في المشاريع طويلة الأجل التي تتأثر بتقلبات أسعار المواد الخام.الخلاصةإن النجاح في مشاريع البنية التحتية العملاقة لا يعتمد فقط على القدرة الهندسية، بل على "الهندسة القانونية" للعقد قبل توقيعه. عقد الفيديك هو مجرد "هيكل عظمي"، والأنظمة المحلية هي "الروح" التي تسري فيه.
نصيحتي لشركات المقاولات والمطورين: استثمر في صياغة "شروط خاصة" تدمج المعايير الدولية بمتطلبات السيادة المحلية، لتتجنب سنوات من التحكيم والنزاع.
خبراتنا في سطور:
المستشار محمد حسين الطراونة
مدير إدارة الأعمال الدولية في شركة 3A للمحاماة.يمتلك خبرة متخصصة تتجاوز 15 عاماً في العقود الدولية والإنشاءات (FIDIC)، حيث أدار وصاغ عقود مشاريع تجاوزت قيمتها 400 مليون دولار في قطاعات البنية التحتية، والاتصالات، والمشتريات الحكومية عبر أكثر من 50 دولة. عمل مستشاراً لجهات عالمية وشركات كبرى (مثل Huawei و UNRWA)، وهو حاصل على شهادات متقدمة في التحكيم الدولي وإدارة المخاطر القانونية من جامعات أمريكية مرموقة (Harvard & ASU).